صديق الحسيني القنوجي البخاري
581
فتح البيان في مقاصد القرآن
ولم يبق أحد من الناس سوى من كان معه في السفينة ، والفرس وسائر المجوس والكلدانيون أهل بابل والهند وأهل الصين وأصناف الأمم المشرقية ينكرون الطوفان ، وأقر به بعض الفرس لكنهم قالوا لم يكن الطوفان بسوى الشام والمغرب ، ولم يعم العمران كله ، ولا أغرق إلا بعض الناس ، ولم يتجاوز عقبة حلوان ، ولا بلغ إلى ممالك المشرق ، قالوا : ووقع في زمان طهمورث ، وأن أهل المغرب لما أنذر حكماؤهم بالطوفان اتخذوا المباني العظيمة كالهرمين بمصر ونحوهما ليدخلوا فيها عند حدوثه ، ولما بلغ طهمورث الإنذار بالطوفان قبل كونه بمائة وإحدى وثلاثين سنة أمر باختيار مواضع في مملكته صحيحة الهواء والتربة ، فوجد ذلك بأصبهان فأمر بتجليد العلوم ودفنها فيها في أسلم المواضع ، ويشهد لهذا ما وجد بعد الثلاثمائة من سني الهجرة في حي من مدينة أصفهان من التلال التي انشقت عن بيوت مملوءة أعدالا عدة كثيرة قد ملئت من لحاء الشجر التي تلبس بها القسي ، وتسمى التور مكتوبة بكتابة لم يدر أحد ما هي ، ذكره المقريزي في الخطط ، وقال بعض محققي الهنود : إن سري كشن الهندي قد أخبر قبل وفاته بسبعة أيام أن بلدة دواركا ستغرق عن قريب وأشار إلى حصول الطوفان بأرض الهند ، والحق ما دلت عليه هذه الآية وغيرها من عموم الغرق للعمران ، وشمول الطوفان لجميع الأرض ونوع الإنسان ، ولا يلتفت إلى قول من أنكره أو أوله أو خصه ببعض الأمكنة دون بعضها فإنه إذا جاء نهر اللّه بطل نهر معقل وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ [ البقرة : 216 ] . وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ يعني في الذين يأتون بعده إلى يوم القيامة من أمم وقال ابن عباس : يقول ، يذكر بخير ، والمتروك هذا هو قوله : سَلامٌ عَلى نُوحٍ أي تركنا هذا الكلام بعينه ، والسلام هو الثناء الحسن ، أي يثنون عليه ثناء حسنا ، ويدعون له ويترحمون عليه . قال الزجاج : تركنا عليه الذكر الجميل إلى يوم القيامة ، وذلك الذكر هو قوله : سَلامٌ عَلى نُوحٍ قال الكسائي في ارتفاع سلام وجهان : أحدهما : وتركنا عليه في الآخرين يقال سلام . والثاني : أن يكون المعنى وأبقينا عليه ، وتمّ الكلام ، ثم ابتدأ فقال : سلام على نوح أي سلامة له من أن يذكر بسوء في الآخرين ، قال المبرد : أي تركنا عليه هذه الكلمة باقية يعني يسلمون عليه تسليما ، ويدعون له ، وهو من الكلام المحكي كقوله سُورَةٌ أَنْزَلْناها [ النور : 1 ] ، وقيل : إنه ضمن تركنا معنى قلنا . قال الكسائي : وفي قراءة ابن مسعود سلاما منصوب بتركنا أي تركنا عليه ثناء حسنا وقيل : المراد بالآخرين أمة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم . فِي الْعالَمِينَ أي سلام ثابت أو مستمر أو مستقر على نوح في العالمين من